صباح الخير

 إنها حادةً، رسمية، جافة،

كأنها توقيع حضور في سجلٍّ إداري.

 رخوة، متردّدة،

كأنها تودّ أن تذوب في دفء اللقاء لكنها خائفة.

وفي بعض حالتها النادرة 

 كأنها نداء استغاثةٍ ناعم،

يشتهي أن يُفهَم دون أن يشرح نفسه.

 تُشبه النَفَس الأول بعد الغرق،

تخرجُ محمّلةً بما لا يُقال،

تهتزّ على حافة الشفاه كاعترافٍ خجولٍ بالحياة.

هي لا تُقال.. بل تُنبت،مثل زهرةٍ تتفتح بين خوفٍ وأمل

في بلادٍ لا يغسلها المطر.

هي مزيج بين الجدّ والحنين،

كأن الصوت يحاول أن يقنع ذاته بأنه موجود.

هي كنسمةٍ متعبة،

كأنها سلامٌ خرج من معركة طويلة،

يجرّ وراءه ظلًّا من الغضب والحبّ في آنٍ واحد.

إنها مرآةٌ تُعيد ترتيب ملامحك حين تنطقها.

تفضح رعشة القلب،

تعرّي التردّد،

وتهمس بما لا تجرؤ اللغة أن تصفه.

إنها بوصلة شعورية،

يتجه فيها الصوت نحو الداخل لا الخارج،


في صوتها ،

كانت "صباح الخير" شتاءً دافئًا،

نورًا خافتًا على جدار الغياب،

نغمةً تعرف كيف تحتضن وتبتعد في الوقت نفسه.

فيها كبرياءُ الأرستقراطية،

وعطشُ الإنسان للصدق،

وفيها ارتباكُ من لم يتصالح بعد مع نفسه.

حين قالت صباح الخير ،

هي لم تكن تحييني،

كانت تفتح نافذةً بين عالمين:

واحدٌ آمنٌ ومؤدّب،

وآخر فوضويّ، مليءٌ بالدهشة والاحتمال.

كأنها تقول 

"أنا هنا... لكن لا أعرف أين تحديدًا من نفسي."

صباح الخير ليست مجرد تحية 

هي تحمل خلفها ذاكرة الموقف،

مزيجًا من الطقس، والعيون، والبرد الذي تسكنه الأرواح.

او حين تتكسّر الحروف كما يتكسّر الضوء في كأس نبيذ،

فيها حزنٌ رقيق، وكرامة صامتة،

وغضبٌ لا يريد الانفجار 

صباح الخير 

هي اختبار المسافة بيننا:

هل أنا غريب أم مألوف؟

هل أنا مجرد صدفة لغوية عابرة؟

أم احتمال سلامٍ طويل لم تجرّبه بعد؟

هي أن تدرك أن كل لغات العالم عاجزة،

وأن كلمةً واحدة 

قالتها امرأة في صباح بارد 

قد تحمل تعريف الإنسان كله:

وفي صوته كلّ التناقضات

بين الرغبة في اللقاء،

والخوف من الانكشاف.

ابتسمتْ وقالت لي صباح الخير 

 هي تلك "صباح الخير" التي بحثت عنها القصيدة،

 هي التجسيد الكامل لتحيةٍ صادقةٍ،

ولروحٍ تتأرجح بين الحذر والشوق.

تنهدت و كأنها فهمت أن كل ما كتبته في

  الفلسفة هو مجرد محاولةٍ لتفسير نبرتها.


Comments

Popular posts from this blog

Bitte behandelt uns wie Hunde

Keine Geburt nach vierzig

Ein Brief an das deutsche Volk