ذات مساء
هذه الليلة
كانت أطول من اللازم.
كأننا نفتش عن كلمةٍ تسقط من فم أحدنا
فتفضحه.
كنتُ أترك لكِ إشاراتي على الطاولة،
وأنتِ تمرّين بجانبها
ببراءةٍ مصطنعة.
أعرف أنكِ رأيتِها.
وأنتِ تعرفين أنني أعرف.
لكن لا أحد يريد أن يكون الأول.
في الواقع،
حين تقتربين
تهربين بعينيكِ قبل أن تهربي بخطوتكِ،
كأن نظرةً واحدة
قد تقول ما عجزتِ عن قوله طوال الليل.
في الهاتف تصبحين أشجع قليلًا.
وأصبح أنا أكثر كذبًا.
أقول لكِ ما يكفي لتعرفي أنني أهتم،
ثم أختبئ خلف جملةٍ عادية.
أنتِ تنتظرين الاعتراف،
وأنا أنتظر ضمانةً صغيرة
أنني لن أمدّ يدي لأفتَح هذا الباب
فلا أجد أحدًا خلفه.
وهكذا ظللنا نتحدث...
كل واحدٍ منا يريد أن ينتصر،
ولا نعرف أن الهزيمة الوحيدة
هي أن ينتهي الليل
ونبقى كما بدأنا المحادثة
شخصين آخرين.
نكتب بلا ارتباك،
نقترب من الجملة الخطرة،
ثم نمسحها قبل أن تصل.
كنتُ أترك لكِ كلمةً
تكفي لتفهمي،
ثم أضع بعدها شيئًا عاديًا
كي أستطيع الإنكار.
وأنتِ تفعلين الشيء نفسه.
الشاشة جعلتنا شجاعين،
بينما الواقع
كان يفضحنا من أول نظرة.
حين نلتقي،
سيصير الهاتف في جيوبنا
أكثر جرأةً منا.
أبحث عن عينيكِ،
وتبحثين عن أي شيءٍ آخر؛
عن الباب، عن الساعة، عن الطريق...
كأن النظر إليّ
قد يفتح شيئًا
لا نعرف كيف نغلقه.
ثم نعود كما كنا مساء ،
لنستأنف الحرب
من حيث تركناها.
لا أحد يعترف.
لا لأننا لا نعرف.
بل لأن الاعتراف،
حين يصبح حقيقيًا،
يُخرج الحكاية من شاشةٍ آمنة
إلى واقعٍ لا يرحم المترددين.
على الهاتف،
كنا نعرف كيف نقترب.
نكتب جملةً،
نتركها معلّقة،
ثم نراقب ظهور كلمة: «يكتب الآن».
أما حين سنلتقي
لن تكن هناك ثلاث نقاطٍ صغيرة
تنقذنا من الصمت.
عند اللقاء، أنظرإليك
فتذهب عيناكِ إلى مكانٍ آخر
بسرعةٍ تفضح أكثر مما كنتِ تريدين.
سأقول شيئًا عاديًا.
ستجيبين بشيءٍ أكثر عادية.
ثم ستمر بيننا تلك الثانية
التي لم تستطع فيها الشاشة
أن تتدخل.
و أن كل ما كُتب ليلًا
كان يقف بيننا الآن،
عارياً من الحروف.
كنتُ أستطيع أن أقولها.
وربما كنتِ تنتظرينها.
لكننا، كعادتنا،
تركنا الكلمة تموت بيننا
سنعود مساءً إلى الهاتف،
نكتب كأن شيئًا لم يحدث.
حين ستلتقي عينانا
لن يكن هناك ما يمكن الاحتماء به.
لا شاشة،
لا رسالة يمكن حذفها،
ولا جملةٌ عابرة نختبئ خلفها.
فقط أنتِ بكل جمالك أمامي.
وثانيةٌ طويلة
يتوقّف فيها وجهكِ عن التظاهر.
لن تنسحبي فورًا.
سبقيتِن هناك
لحظةً أطول مما تسمح به المصادفة،
حتى أشعر أن عينيكِ
ستسألاني فيما قضينا الليل ونحن نحاول ألا نسأله.
كدتُ أقول شيئًا.
كدتِ تقولين شيئًا.
لكن أحدنا سيخاف أولًا.
وستنكَسرُ النظرة،
وعاد كل شيء إلى مكانه.
إلا قلبي.
ظل واقفًا هناك،
في تلك الثانية تحديدًا،
كأنه لم يفهم بعد
لماذا تراجعنا
ونحن الاثنان نعرف
إلى أين كانت النظرة تتجه.
Khaled N.agha
Comments
Post a Comment