نوبة هذيان حادة 4/لا تقفي مثل المسمار
نوبة الهذيان هذه كانت بسبب أنثى تصرّ على الصمت. فلا يشفع لك إن كنت غاضبًا أو عاشقًا يائسًا أو محاصراً بين حاجتك لردّ بسيط وبين عجز هذه الأنثى عن منح أي إشارة. فتختلط بك المشاعر لتزيدك توهان فوق ضياعك، فـ الصمت عند المخاطبة ليس حيادًا، بل عقوبة، كأنه سجن انفرادي وأن كل ما تحتاجه لتبقى بكامل عقلك في هذا السجن هو مجرد كلمة تكسر هذا الصمت، حتى لو كانت جارحة.
أو إلى كلمة صغيرة تمنحك شعورًا بأنك موجود في قلبها، ولو بالرفض. نعم فإن القبول والرفض يمر عبر القلب وهذه مرحلة تشبه لحد ما صراع الحيوانات المنوية وسباقها لـ إلقاح بويضة الأنثى، فإن في هذه الرحلة لا أحد يتوقع ما هي النتيجة حتى لو كنا أمهر الكائنات في وضع الإحتمالات ، ملايين تتسابق ولا يفوز الا حيوان منوي واحد لتحضنه البويضة ، وفي تلك اللحظة تبدأ حياة .
لكن يبقى السؤال هل استحق هذا الحيوان المنوي الفوز بتلك البويضة ، أم أن البويضة سمحت له بالفوز بها ، وأقول هنا الفوز بها ،لأنها هي محور السباق، هي ايضا تقدر ذاك الانفعال الداخلي نحوها ضدّ قسوة الصمت في المحيط حولها ، لـ تظل محاطًتا بالرغبة في القرب.
لكن هل هي رغبة مشروطة ؟ أم أنها رغبة غير مكتملة الملامح بعد ؟أم أنها رغبة خارج الوعي ؟
أم هي قوة قمعية تفرض النظام بالقوة. الصمت هنا ليس حيادًا بل قمع.أو أداة للتعذيب حيث يصبح الصمت فعل قتل بطيء، لا يُرى ولكنه يفتك بالروح.
هنا يختلط الرجاء بالدهشة فالرجاء هو مجرد كلمة منها و ستكون بمثابة هواء ينقذ من الاختناق. والدهشة هي الجمود التام وكأنها غارقة في مكانها كأنها مسمار جامد يقف هناك بلا حياة .
لا تقفي مثل المسمار
قولي شيئاً…
حتّى لو كان لعناً،
أو مديحاً مغمّساً بالسخرية…
قولي: "أنت مزعج!"
لا يهم…
فأنا لم أعد أطيق
صوت الصمت وهو يتجوّل بيننا كشرطيٍّ .
قولي شيئاً،
افتحي نافذةً في جداركِ البارد،
دعيني أراكِ، ولو من ثقبِ إبرة
ألم تتعبي من لعب دور التمثال.
هل يُعقل،
أن تتركي قصائدي تموت تحت قدميك
كـ طلبات لجوء لا توقّعينها
أهذا قلبكِ؟ أم إدارة هجرة؟
أنا لا أطلب تصريح إقامة!
بل مجرد نظرة من قلبكِ،
سيدتي
حتى الحديد يتوسّع بالحرارة،
فلماذا يضيق قلبك من دفئي ،
ومن الشِعر الذي ينبت لكِ دون إذنكِ.
قولي شيئًا،
أقسم أني سأحتمل الحقيقة،
يا عزيزتي،
كل البلاد التي استعمرتني كانت أرحم.
أنتِ تُمارسين صمتكِ
كأنكِ دولةٌ ترفضُ الاعتراف بي.
فلتقوليها مرّة،
قولي "لا"
و اطويني كما تطوى ملفات القضايا القديمة.
لكن أن تصمتي؟
كأنكِ تخترعين جريمة جديدة
اسمها: القتل بالصبر.
أريدكِ فقط أن تتكلمي…
ولو بكلمة واحدة،
تشبه ارتجافة فمِ طفل
يحاول نطق اسمي للمرّة الأولى.
قولي شيئًا…
أنقذيني من هذه القصائد التي تكتبني دون إذني،
من هذه الأحاسيس التي تأكلني.
***************
حين لا تردّين،
تُصبحين كالنافذة المغلقة في بيتٍ مليءٍ بالغبار،
أراكِ… لكن لا يصلني الهواء منكِ.
أريد أن أسمعك،
ولو صدفة،
أن تفتحي قلبكِ كما تُفتح نافذة في قطار،
وتهبّ منها حياةٌ كنت أجهل أنّني أموت دونها.
لم أطلب كثيرًا…
لم أطالب بالحب،
بل بصوتكِ فقط…
أن تخبريني إن كنتِ تشعرين.
هل فيكِ شيءٌ من النبض
أم أنا وحدي أرتجف في العتمة؟
أنتِ صامتةٌ كنجمة بعيدة،
تشعّ… ولا تجيب.
تُرى، هل تسمعين القصائد
وتمضغينها كما يُمضغ البكاء… دون دمعة؟
قولي لي فقط،
هل تحترقين مثلي.
قولي شيأً
لا تقفي مثل المسمار.
Hamburg
2025
حتى نوبة هذيان اخرى
Comments
Post a Comment