نوبة هذيان حادة 1 /هل ترقصين معي سيدتي؟



هل ترقصين معي سيدتي؟  هي قصيدة من كتاب نوبة هذيان حادة وهي اولى القصائد وهي السبب في كتابة هذا الكتاب ، الكتاب الذي سأنشره تباعا هنا 

 هذه ليست بداية القصة او حتى نهايتها ، حقيقة أنا لم أكتبها بناء على حقائق أو حتى دلالات ،بل هي محاولة لقراءة روح أحسست بها ، لامستني بدفئها ، عن روح تبحث عن ذاتها.وكنت ابحث عنها وفي اللحظة التي تجدها تقع في صراع مع ذاتك بسبب تراكمات الحياة الغير عادلة والغير متوقعة فحين ترى نفسك في الجانب الباطني المخفي في ذات الآخر. وهنا لا اتكلم عن علاقة بين الأنا والآخر، أو بين المظهر الخارجي والحقيقة الداخلية التي لا تُدرك إلا عبر التجربة المشتركة، ولا عن الهشاشة والقوة. فالذكريات هي مجرد عبئًا ماديًا يُثقل الجسد والروح، الإنسان ككائن مهدد دائمًا بالسقوط، لكنه يحتفظ في داخله بقدرة على الاستمرار .

 الرقص مثلا هو فعل وجودي يتجاوز الحركة الجسدية إلى كونه لغة للروح وآلية لتجاوز الانكسار. فإن الرقص والحب كلاهما تجربة تتسم بالخوف والدهشة والقدرة على إعادة ولادة الذات.

فـ التردد وهو لاشك جزء من البشر لكن هو ليس صفة سلبية أو يشكل عائق امام الخطوات الجديدة بل هو قيمة انسانية جميلة، ليس ضعف، بل التردد يعكس وعي الذات بذاتها و وإدراكنا للآخر .

صراعات الإنسان أو جدليات الإنسان لا تنتهي ، فإن الإجابات لا تأتي من القوالب الجاهزة في الغالب بل تأتي بـ تفاعلنا مع الواقع بكل جرأة للنجاة من مخاوفنا ، فـ مخاوفنا ليست في الكمال أو السيطرة، بل في الجرأة على المشاركة في رقصة الحياة بما فيها من ارتباك وتعثر.

هي هذيان في التأمل الوجودي. بين الذاكرة والنسيان، بين الانكسار والقدرة على النهوض. تخيل أن تنجو بخطوة صغيرة في رقصة كبرى لا نهاية لها.



هل ترقصين معي سيدتي؟

________


سقطتْ هي كورقة خريفٍ

في حقلٍ لا يملك حتى اسماً،

شماليةٌ هي كالريح

حين لم يكن للريح نوايا

ولا للسماء ملامح.

كانت هي تمشي 

 أو لا تَمشي،

تتعثّر 

تبحث في الوجوه 

عن ظلٍّ يشبهها 

لم تكن مكسورةً،

كانت منحنية فقط،من ثقل الذكريات،

ومن صوتٍ داخليٍّ

يشبه الصراخ المكتوم

في كوابيس اليقظة .


************


في ذلك الحقل،

لم تجد أحداً،

لكنها وجدت نفسها

تتنفّس،

وتنصت لإيقاع الحياة

كأن الأرض تعزف لها لحنَ نجاة خافتٍ… ومجنون.


كان الحزن ثقيلاً،

لكن هناك

يدٌ دافئة لم تلمسها

بل مرّت قرب قلبها

كدفء قهوة في صباحٍ شتوي مُثلج

و كأن أحدًا ما قال لها دون صوت:

"أنا هنا… لا تبكي وحدكِ."


كانت خائفة،

لا من الحب،

بل من أن تكون مرآةً لشخصٍ آخر

قبل أن ترى ملامحها حقًا.

خائفة 

من أن يُزهر فيها أحد

ثم يتركها مزهرية فارغة.


خائفة،

من أن تبني بيتًا على شاطئ أحدهم

ثم تهدم موجات الأنا الأعلى هذا البيت.

من أن تعيد كتابة اسمها بقلبٍ جديد

ثم لا يُقرأ.

لكنها…

رغم كل ذلك،

بدأت ترقص.


خطوة واحدة…ثم خطوة،

ثم التفتت حولها ،نظرت داخلها وقالت :

"أنا لا أحتاج سماءً لأطير،

يكفيني هذا الجسد… حين لا أخونه."


**********


 عزيزتي إن الرقص

ليس مجرد حركات،

هو طريقة القلب في أن يَنسى كيف كُسر

وليتعلم كيف يرفرف مجددًا.

فارقصي و لا تبالي 

وخذي يد الحنين

وارقصي معه كأنما العالم كله موسيقى،

وكأنكِ آخر الناجين من عاصفةٍ لم يسمع بها أحد،

كأنكِ أول امرأةٍ

تُخاطب قلبها، وتصدّقه.


*********"

 خطواتكِ

أشبه بنوتات ضائعة

تبحث عن أغنيتها الأولى،

وكنتُ هناك 

أراقب الإيقاع الذي لا يعرفه أحد سواكِ.

أو لم أكن حقا هناك .

هل كنتِ تبحثين عنكِ؟

أم عن ظلٍّ خفيف

يرافقكِ دون أن يسأل: "إلى أين؟"


أتذكرين تلك اللحظة،

وعند تلك التنهيدة بالتحديد 

هل كان عطري 

أم وصلك الدفء حقاً

مع ذاك النَفَس 

شعرتُ حينها ،أنكِ راقصةُ الخوفِ والصَمت،

وأنكِ تنسين حزنكِ

كما ينسى المنفي وطنه 

كنتِ تبتسمين بهدوء،

وتقولين بصوت يرتجف 

انا !!!!

أنا .....

أنا ... بدأت 

بدأت .. أتعلم الرقص 

**********

فهل ترقصين معي، سيدتي؟

ليس رقصَ الاحتفالات،

بل رقصَ النجاة…

رقصَ الذين وقعوا مرارًا،

ثم نهضوا دون أن ينتظروا تصفيقًا.

هل ترقصين معي،

على إيقاع السنين الضائعة

ونغمة الخيبات التي صارت دروسًا

على إيقاع نظراتكِ حين تنظرين الي او تنظرين بعيدًا

لكن قلبكِ لا يزال هنا


*********


أنا لا أطلب وعدًا،

ولا أمسك يدكِ كي لا أُفلتها.

أنا فقط…

أريد أن أكون الإيقاع الثاني بعدكِ،

: أقول لكِ

"لا بأس إن خفتِ"

فإن للرقص خفقات،

وللحب … رهبةٌ أجمل."


*******

في الريح الخامسة من الخريف،

تأخرتِ عن نفسكِ بضع خيبات. 

 تقولين: "أنا بخير"

وانت تكتبين على زجاج قلبك:

"أنقذني."

أراكِ الآن تمشين على مهل،

كمن يخاف أن يُوقظ شيئًا نائمًا في صدره،

كأنكِ تمشين على شاطئ الذكريات

كل خطوة عليه

تعني أنكِ لا زلتِ حيّة… رغم كل شيء.


تعرفين جيدًا

أنكِ لا زلتِ تتعلمين الوقوف،

وأن العالم لا يرفق بمَن ينهض متأخرًا،

لكنكِ تحاولين . 

أخبريني،

هل لا زالت الموسيقى تخيفك؟

هل كلما سمعتِها

تذكّرتِ أنكِ نسيتِ كيف تُغلقين عينيكِ

وتتركين جسدكِ يطفو؟


**********

أنا 

لا أطلب حبًا،

بل نبضة قلب واحدة …أن تفتحي الباب للنور

ولو لثانية،

أن تسمحي للعالم

أن يرى كم أنتِ جميلة حين تضحكين بلا خطة.

حين التقيتكِ،

لم يكن بيننا كلام،

كان فقط هواءٌ دافئ

يمرّ من صدري إلى صدركِ،


فهل ترقصين معي الآن ، سيدتي؟

هل تمسكين يدي،

لا لنذهب بعيدًا…

بل لنعود،

إلى حيث تركتِ نفسكِ أول مرة 

سؤال معلق لا أجابة له

ورقةً بلا شجرة،

خطوةً بلا نية،

الشمال لا يرحم التائهين،

لكنّه منحكِ مسرحاً من عشب مبلول،

لتقرأي بيان النصر  

البيان رقم ١ 

: "كفى... سأبدأ من هنا"

******

لم تستسلمي للوحدة 

ولا حتى للحب من طرف واحد 

كنتِ تضحكين أحيانًا،

لكنّ قلبكِ يتلفّتُ مرتين قبل كل نبضة.

كنتِ تعرفين الحب…

لكن لكُثر ما تأخّرتِ عليه

أصبحتِ تشكِّ

أنه لم يكن ينتظركِ أصلًا.

رأيتكِ تكتبين إسماً على نافذة القطار

ثم تمسحينه قبل أن يكتمل.

كأنكِ تخشين أن يُقال بصوتٍ عالٍ:

"أنتِ لستِ وحدكِ".

أم رسمتي نصف قلب فقط ؟ 


*******


أنا لا أطلب حضوركِ الكامل،

فأنا أحب الأرواح التي ما زالت تبحث عن ذاتها 

أحب التردّد في عينيكِ،

والدمعة التي تتراجع قبل أن تسقط،

كأنها خائفة من أن تُفهم خطأ.


هل تذكرين؟

حين سألتِ السماء بلغة غير منطوقة:

"هل أستحق أن أرقص؟"

فأجابتكِ الأرض بهزة صغيرة،

كأنها تقول: "جرّبي… فقط جرّبي".


*******


أنا هنا، لا أملك شيئًا،

سوى قلباً ولحنٌ حزين 


فهل لدي اي فرصة لترقصي معي الآن، سيدتي؟

أو ليس الآن.

ربما حين

يشعر حزنكِ بدفئي… ويبتسم.

كلما سطعت شمس 

كلما هطل المطر 

كلما أصبنا بنعاس الوحدة 

كلما تعلم طفل المشي 

كلما شعرنا بالبرد و الدفء 

عند كل أمل 

في كل بداية جديدة 

مع كل نفس 


*******


ها أنا أمد قلبي لك 

كيدٍ مُدَّت من خلال الموجِ لغَريق

ومددتُ لها يدي كأنها جوابٌ قديم لسؤال لم يُطرح بعد

وهمست في 

أذنها اليسرى

هل ترقصين معي، سيدتي؟

لا حبًا فوريًا ولا وعودًا مُزينة 

بل حياة مشتركة نراقصها معًا

ولو تعثّرنا أحيانًا فسنضحك

 فإن الحياة هي رقصةٌ خرقاء

لا أحد يتقنها

لكن أول من يأخذ الخطوة الأولى !!

سوف ينجو.

* * *

هامبورغ


حتى نوبة هذيان جديدة 




Comments

Popular posts from this blog

Bitte behandelt uns wie Hunde

Keine Geburt nach vierzig

Ein Brief an das deutsche Volk